ابن رشد
373
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتاب الحرابة والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى : * ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) * الآية . وذلك أن هذه الآية عند الجمهور هي في المحاربين . وقال بعض الناس : إنها نزلت في النفر الذين ارتدوا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام واستاقوا الإبل ، فأمر بهم رسول الله ( ص ) فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم . والصحيح أنها في المحاربين لقوله تعالى : * ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) * وليس عدم القدرة عليهم مشترطة في توبة الكفار فبقي أنها في المحاربين . والنظر في أصول هذا الكتاب ينحصر في خمسة أبواب : أحدها : النظر في الحرابة . والثاني : النظر في المحارب . والثالث : فيما يجب على المحارب . والرابع : في مسقط الواجب عنه . وهي التوبة والخامس : بماذا تثبت هذه الجناية . الباب الأول : في النظر في الحرابة فأما الحرابة ، فاتفقوا على أنها إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر ، واختلفوا فيمن حارب داخل المصر ، فقال مالك : داخل المصر وخارجه سواء ، واشترط الشافعي الشوكة ، وإن كان لم يشترط العدد ، وإنما معنى الشوكة عنده قوة المغالبة ، ولذلك يشترط فيها البعد عن العمران ، لان المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران ، وكذلك يقول الشافعي : إنه إذا ضعف السلطان ووجدت المغالبة في المصر كانت محاربة ، وأما غير ذلك فهو عنده اختلاس ، وقال أبو حنيفة : لا تكون المحاربة في المصر . الباب الثاني : في النظر في المحارب فأما المحارب : فهو كل من كان دمه محقونا قبل الحرابة ، وهو المسلم والذمي . الباب الثالث : فيما يجب على المحارب وأما ما يجب على المحارب ، فاتفقوا على أنه يجب عليه حق لله وحق للآدميين ، واتفقوا